سيد محمد طنطاوي
47
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أما أولها : فقد عبر عنه القرآن بقوله : « من النساء ولا شك أن المحبة بين الرجال والنساء شيء فطري في الطبيعة الإنسانية ، ويكفى أن اللَّه - تعالى - قد قال في العلاقة بين الرجل والمرأة هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ « 1 » . وقال - تعالى - في آية ثانية ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً « 2 » وإن بعض الرجال قد يستهين بكل شيء في سبيل الوصول إلى المرأة التي يهواها ويشتهيها والأمثال على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا وصدق رسول اللَّه حيث يقول : « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » « 3 » ، ولذا قدم القرآن اشتهاءهن على كل شهوة . و * ( مِنَ ) * في قوله * ( مِنَ النِّساءِ والْبَنِينَ ) * بيانية ، وهي مع مجرورها في محل نصب على الحال من الشهوات . واكتفى القرآن بذكر محبة الرجل للمرأة مع أن المرأة كذلك تحب الرجل بفطرتها لأن ذكر محبة أحدهما للآخر يغنى عن ذكر الطرفين معا ، وما يستفاد بالإشارة يستغنى فيه عن العبارة خصوصا في هذا المجال الذي يحرص في القرآن على تربية الحياء والأدب في النفوس ، ولأن المرأة في هذا الباب يهمها أن تكون مطلوبة لا طالبة . وحتى لو كانت محبتها للرجل أشد فإنها تحاول أن تثير فيه ما يجعله هو الذي يطلبها لا هي التي تطلبه . وأما ثاني المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله * ( والْبَنِينَ ) * جمع ابن ، وهو معطوف على ما قبله ، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء لأن البنين ثمرة حب النساء ، واكتفى بذكر البنين ، لأنهم موضع الفخر في العادة وحب الأولاد طبيعة في النفس البشرية فهم ثمرات القلوب ، وقرة الأعين ومهوى الأفئدة ، ومطمح الآمال ، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء فهذا سيدنا إبراهيم يقول : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ وسيدنا زكريا يقول : رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ . والإنسان في سبيل حبه لأولاده يضحى براحته ، وقد يجمع المال من أجلهم من حلال ومن حرام ، وقد يرتكب بعض الأعمال التي لا يريد ارتكابها إرضاء لهم ، وقد يمتنع عن فعل أشياء هو يريد فعلها لأن مصلحتهم تقتضي ذلك . وصدق اللَّه إذ يقول : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وصدق رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حيث يقول : « الولد ثمرة القلب ، وإنه مجبنة مبخلة محزنة » أي أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية ص 187 . ( 2 ) سورة الروم آية 21 . ( 3 ) أخرجه البخاري في كتاب النكاح . باب ما يتقى من شؤم المرأة ج 7 ص 11 طبعة المجلس سنة 1345 .